الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

263

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

بل لكونه تركا لأحد الأمرين اللذين وجبا عليه على سبيل التخيير حسبما مرت الإشارة إليه ويمكن أن يقرر كل من الوجهين معارضة مستقلة فيكون كل منهما جوابا مستقلا على سبيل المعارضة وقد يومي إليه قوله وأيضا ويمكن أن يقرر ذلك منعا ويكون كل من الوجه الأول والثاني سندا للمنع وقد يقرر الأول معارضة والثاني منعا وهو أبعد الوجوه وقد يستظهر ذلك من قوله ليس لكون المكلف إلى آخره لإشعاره بمنع حصول التخيير بين الأمرين وهو كما ترى لعدم ظهور ذلك في المنع أصلا بل مقصوده نفي ذلك ليدفع به ما يتوهم من ثبوت حكم الخصال في المقام قوله حكم من أحكام الإيمان إلى آخره إن أريد به أنه لازم من لوازم الإيمان وتابع لحصوله فضعفه ظاهر لوضوح أن نفس الإتيان بالواجبات وترك المحرّمات ليس من لوازم الإيمان فكيف العزم عليها كيف ولو كان ذلك من لوازم الإيمان لما صح تعلق التكليف بها بعد حصول الإيمان فلا يتفرع عليه ما ذكره من وجوب ذلك مستمرا عند الالتفات إلى الواجبات وإن أريد أن وجوبه من الأحكام التابعة للإيمان فليس هناك وجوب للعزم قبل حصول الإيمان وإنما يجب ذلك بعد حصوله ففيه أنه لا وجه للتفصيل فإنه إن قلنا بكون الكفار مكلفين بالفروع وكان العزم المذكور واجبا على الكفار أيضا كغيره من الواجبات وإن لم نقل بكونهم مكلفين بالفروع لم يتحقق التكليف به ولا بغيره وقد يقال إن العزم على الواجبات ليس واجبا في نفسه بل لأن قضية وجوب الطاعة على المكلف أن يعزم على كل فعل يعتقد أمر المولى به وإلا لم يكن مطيعا له في حكم العقد مطلقا ومع قصد عدم الامتثال وهو لازم لعدم قصد الامتثال بعد التفطن للفعل على ما ظن وهذا المعنى إنما يثبت بعد اعتقاد وجوب الشيء وأما قبله كما هو الحال في الكفار فلا وهو كما ترى لا يتم في جميع أقسام الكفر قوله وهو كما ترى كأنه أراد بذلك منع كل من المقدمتين المذكورتين لإمكان خلو المكلف عن العزمين مع شعوره بالفعل كما في المغرور ومع تسليمه فحرمة العزم على الحرام ممنوعة أيضا وقد يخص القول بوجوب العزم بما بعد دخول الوقت نظرا إلى أنه إذا أمر المولى عبده بشيء ولم يأت العبد ولا كان عازما على فعله عد عاصيا في العرف وذمة العقلاء ولو قبل مضي آخر الوقت ولذا لو مات حينئذ فجأة صحت عقوبته فيفيد ذلك وجوب العزم إذ لا عصيان في ترك الفعل قبل تضيق الوقت وفيه أيضا ما عرفت واستحقاقه العقوبة في الفرض المذكور إن تم فإنما هو لصدق كونه تاركا للواجب عمدا لا لمجرد ترك العزم هذا وقد يستدل أيضا على بدلية العزم بوجه آخر وهو لو لم يجب البدل لزم تساوي حال الفعل قبل دخول الوقت وبعده والتالي واضح الفساد أما الملازمة فلجواز تركه قبل دخول الوقت لا إلى بدل وجواز تركه كذلك بعد دخوله فيتساويان وقد أشار إلى ذلك في الزبدة وشرحها وضعفه ظاهر فإنه إن أريد تساويهما من كل وجه فهو واضح الفساد ضرورة أن الإتيان به قبل دخول الوقت بدعة ولو من جهة قصده به امتثال التكليف المفروض بخلاف ما بعد دخول الوقت وإن أريد به عدم الفرق بينه وبين ما لا يجب الإتيان به فلا ينفصل عن المندوب يرجع إلى الوجه الأول فلا وجه لعده دليلا آخر وحينئذ يرد عليه ما يرد على الوجه المذكور وقد يدعى الإجماع على المسألة لما عرفت من عبارة السيد وهو موهون جدا إذ لا دلالة فيها على ذلك وعلى فرض دلالتها فالخلاف في المسألة كما هو مشهور بل الشهرة المتأخرة قائمة على خلافه فدعوى الإجماع في مثلها موهونة جدا غير صالحة للاعتماد عليها قوله لأدائها إلى جواز ترك الواجب إلى آخره يمكن تقرير الاحتجاج بكل من الوجهين المتقدمين لقضاء التوسعة في الوقت بجواز ترك الفعل في أول الوقت ووسطه وهو ينافي الوجوب ولقضاء جواز التأخير بانتفاء الإثم مع الموت فجأة في أثناء الوقت فيلزم من ذلك جواز ترك الفعل مطلقا المنافي لوجوبه وكان هذا الوجه أوفق بظاهر العبارة وأنت خبير بأن الوجه المذكور لو تم في الجملة فلا يتم على القول ببدلية العزم فهو على فرض صحته إنما يفيد عدم جواز الفضيلة في الوقت مع انتفاء بدلية العزم فلو قيل ببدلية العزم اندفع ما توهم من المفسدة فلا يصح الاستناد إلى الوجه المذكور في إثبات كل من الأمرين المذكورين إلا بعد إبطال الآخر قوله لما خرج عن العهدة إلى آخره إن أراد به عدم حصول الإتيان بما هو الواجب وعدم تحقق الامتثال بأدائه في الأول فمسلم لكن يمكن عدم الخروج بذلك عن عهدة التكليف ممنوع لإمكان أن يكون ما تقدم على وقت الوجوب نفلا يسقط به الفرض حسبما مرّ بيانه فلا يتعلق الوجوب بالفعل حين مجيء وقت الوجوب فغاية الأمر حينئذ حصول التوسعة في وقت الأداء لا في وقت الوجوب وهو هنا لا مانع منه أصلا ولا يرد الشبهة المذكورة بالنسبة إليها مطلقا وإن أراد به عدم الخروج عن عهدة ذلك التكليف بأدائه في الأول مطلقا فهو ممنوع والسند ظاهر مما مر قوله وهو باطل أيضا كما تقدمت الإشارة إليه في الاحتجاج على المختار حيث ادعى الإجماع على عدم كونه عاصيا بالتأخير لكن قد عرفت أن القدر المسلم انتفاء العقوبة مع التأخير ولو من جهة عقوبة الأمر وأما عدم جواز التأخير في الجملة فبطلانه غير مسلم عند الخصم قوله لعصى بتأخيره إلى آخره إن أراد بالعصيان مجرد مخالفة الأمر الإيجابي وإن لم يترتب عليه عقوبة فقيام الإجماع على بطلان التالي ممنوع لذهاب الخصم وإن أريد به العصيان الذي يترتب عليه العقاب فالملازمة ممنوع فإن ذلك من لوازم الواجب المضيق بمعناه المعروف وأما الواجب الموسع فلا يترتب على تأخيره عقوبة وإن كان على حسبما يعتقده القائل المذكور فإن الفرق بينه وبين سائر الواجبات عنده في حصول العفو هنا مع التأخير إلى مدة معينة بخلاف غيره من الواجبات قوله وجوابه منع الملازمة لما توهم المستدل كون جواز الترك منافيا للوجوب مطلقا زعم أن وجوب الفعل في أول الوقت قاض بعدم جواز تركه فيه أعني تأخيره عنه وإلا لزم خروج الواجب عن كونه واجبا حسبما مر في كلام القائل بالاختصاص بالأول في بيان منع الفضلة في الوقت فإذا لم يكن واجبا في الأول تعين وجوبه في الآخر فأجاب عنه بأنه لا منافاة بين وجوب الفعل وجواز تركه في الجملة ولو إلى بدل كما في المخير على ما هو الحال في المقام نعم لو جاز تركه مطلقا لينافي الوجوب قوله وينبغي أن يعلم أن بين التخيير إلى آخره هذا كالصريح فيما ظهر من عبارته السابقة من كون الواجب الموسّع في الحقيقة واجبا تخييرا وقد عرفت بعده وأنه لا قاضي بالتزامه وينبغي في المقام بيان أمور أحدها أنه لا ريب في أن الواجبات الموسعة تضيق بظن الفوات مع التأخير بمعنى أنه يتعين الإتيان بها حينئذ ولا يجوز للمكلف تأخيرها عن ذلك الوقت وقد نص عليه جماعة من الخاصة والعامة من دون ظهور خلاف فيه بل نص بالاتفاق عليه جماعة منهم الفاضل الجواد والفاضل الصالح والآمدي والحاجبي واحتج عليه بالاتفاق عليه حسبما ذكر بأمور